محمد بن جرير الطبري
165
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يقال : أذريت الرجل عن الدابة والبعير : إذا ألقيته عنه . وقوله : وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً يقول : وكان الله على تخريب جنة هذا القائل حين دخل جنته : ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وإهلاك أموال ذي الأموال الباخلين بها عن حقوقها ، وإزالة دنيا الكافرين به عنهم ، وغير ذلك مما يشاء قادر ، لا يعجزه شيء أراده ، ولا يعييه أمر أراده ، يقول : فلا يفخر ذو الأموال بكثرة أمواله ، ولا يستكبر على غيره بها ، ولا يغترن أهل الدنيا بدنياهم ، فإنما مثلها مثل هذا النبات الذي حسن استواؤه بالمطر ، فلم يكن إلا ريث أن انقطع عنه الماء ، فتناهى نهايته ، عاد يابسا تذروه الرياح ، فاسدا ، تنبو عنه أعين الناظرين ، ولكن ليعمل للباقي الذي لا يفنى ، والدائم الذي لا يبيد ولا يتغير . القول في تأويل قوله تعالى : الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا يقول تعالى ذكره : المال والبنون أيها الناس التي يفخر بها عيينة والأقرع ، ويتكبران بها على سلمان وخباب وصهيب ، مما يتزين به في الحياة الدنيا ، وليسا من عداد الآخرة وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً يقول : وما يعمل سلمان وخباب وصهيب من طاعة الله ، ودعائهم ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ، الباقي لهم من الأعمال الصالحة بعد فناء الحياة الدنيا ، خير يا محمد عند ربك ثوابا من المال والبنين التي يفتخر هؤلاء المشركون بها ، التي تفنى ، فلا تبقى لأهلها وَخَيْرٌ أَمَلًا يقول : وما يؤمل من ذلك سلمان وصهيب وخباب ، خير مما يؤمل عيينة والأقرع من أموالهما وأولادهما . وهذه الآيات من لدن قوله : وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ إلى هذا الموضع ، ذكر أنها نزلت في عيينة والأقرع . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسين بن عمرو العنقزي ، قال : ثنا أبي ، قال : ثنا أسباط بن نصر ، عن السدي ، عن أبي سعيد الأزدي ، وكان قارئ الأزد ، عن أبي الكنود ، عن خباب في قوله : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ ثم ذكر القصة التي ذكرناها في سورة الأنعام في قصة عيينة والأقرع ، إلى قوله : وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا قال : عيينة والأقرع وَاتَّبَعَ هَواهُ قال : قال : ثم قال ضرب لهم مثلا رجلين ، ومثل الحياة الدنيا . واختلف أهل التأويل في المعني بالباقيات الصالحات ، اختلافهم في المعنى بالدعاء الذي وصف جل ثناؤه به الذين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن طردهم ، وأمره بالصبر معهم ، فقال بعضهم : هي الصلوات الخمس . وقال بعضهم : هي ذكر الله بالتسبيح والتقديس والتهليل ، ونحو ذلك . وقال بعضهم : هي العمل بطاعة الله . وقال بعضهم : الكلام الطيب . ذكر من قال : هي الصلوات الخمس : حدثني محمد بن إبراهيم الأنماطي ، قال : ثنا يعقوب بن كاسب ، قال : ثنا عبد الله بن عبد الله الأموي قال : سمعت عبد الله بن يزيد بن هرمز ، يحدث عن عبيد الله بن عتبة ، عن ابن عباس أنه قال : الباقيات الصالحات : الصلوات الخمس . حدثني زريق بن إسحاق ، قال : ثنا قبيصة عن سفيان ، عن عبد الله بن مسلم ، عن سعيد بن جبير ، في قوله : وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ قال : الصلوات الخمس . حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي ، قال ثنا أبي ، عن أبيه ، عن جده ، عن الأعمش ، عن أبي إسحاق عن عمرو بن شرحبيل في هذه الآية وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ قال : هي الصلوات المكتوبات . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوري ، عن عبد الله بن مسلم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : الباقيات الصالحات : الصلوات الخمس . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان عن الحسن بن عبد الله ، عن إبراهيم ، قال الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ الصلوات الخمس . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ قال : الصلوات الخمس . ذكر من قال : هن ذكر الله بالتسبيح والتحميد ونحو ذلك : حدثنا ابن حميد وعبد الله بن أبي زياد ومحمد بن عمارة